الظهور الإلهي

الظهور الإلهي

كما هو الحال في جميع الأعياد السيِّديّة، هكذا هو الحال في عيدنا هذا اليوم. فالظهور الإلهي يتميَّز بأنه: ثالوثي ومِسياني، وإنساني.

من حيث أنه ثالوثي: وذلك لأن الثالوث الأقدس قد ظَهرَ مبيّناً فيه الأقانيم الثلاثة بكل وضوحٍ أكثر من أي وقتٍ آخر. وبهذا عرف جميع الذين كانوا موجودين هناك الثالوث الإلهي، بمن فيهم الذين يقدِّمون الخِدَم الإلهية وعلى الأخص القديس يوحنا المعمدان. ومن خلالهم نحنُ جميعنا قد عرفناه وأصبحنا شُهود عيان لِما تسلَّمناهُ وآمنَّا بمن ظهر وبما كُشِفَ لنا، لذلك نرتل في الأودية الثامنة: "لقد تم في الأردن ظهور الثالوث الطبيعة الفائقة الألوهية، فإن الآب هتف يقول: إن هذا المُعتمِد هو إبني الحبيب، والروح حضر مع المساوي له الذي تباركه الشعوب وترفعُهُ إلى كل الدهور."

وهذا الظهور قد تم في الأردن وفي قلوبنا أيضاً.

ومن حيث أن له ميزة مِسيانيةّ: وذلك لأن الشخص الرئيسي في هذا السَّر العظيم هو سيَّدنا يسوع المسيح الذي يُظهر وللمرّه الثانية تواضعه وقيمة طاعته لله للآب، ففي المرة الأولى عندما قبل أن يولد في مغارة، والآن في عماده والمرة الثالثة في صلبه، فنحن نرى أن الرب يسوع المسيح منبع الفضائل قد أوضح أهمية فضيلتي الطاعة والتواضع اللتين أصبحتا علّة خلاصنا الشخصي.

وكما سقط آدم بسبب الكبرياء وعدم الطاعة هكذا فإن آدم الجديد استطاع أن يُصلح الجنس البشري وذلك من خلال التواضع والطاعة وهكذا أصبح لنا مثالاً نحتذي به. ويؤكّد لنا ذلك القديس بطرس الرسول "لأنكم لهذا دعيتم فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا، تاركاً لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته" (1 بط 2:21).

لذلك وكما أسلفنا لمحبتكم سابقاً، فإنّ كلَّ عيدٍ يحدث هو خبرة رائعة لنا وسُلّماً لصعودنا الى الله الكلي القداسة، فالأهداف من الأعياد هو أن تقودنا الى الكمال بالمسيح يسوع والى النمو الروحي بحسب ما قاله القديس مكسيموس المعترف:

"نعمة الرب المعتمد لتكن معنا في كل أيام حياتنا"  أمين

وأما من حيث أنه إنساني: فهو عيد يخص الإنسان أيضاً، فكل الأحداث الخلاصيِّة التي تمت في العمل المشترك للثالوث بالمسيح يسوع تخصّ الإنسان، لقد نَزَلَ عرياناً في الماء كي يأخذ الإنسان العريان الى النعمة الإلهية، وليقيمه ويلبسه الحلة الجديدة ألا وهي حلة عدم الفساد. لذلك فقد اعتمد هو من أجلنا ومن أجل خلاصنا كما نعترف بذلك في دستور الإيمان بأن كل ما فعله السيد المسيح كان من أجلنا ومن أجل خلاصنا.

أمّا بالنسبة الى العالم أجمع: فإن هذا العيد لا يهتم بالإنسان وحسب وإنما أيضاً يهتم بالخليقة كلِّها، فبنزول الرب الى مياه نهر الأردن جلب النعمة الإلهية وقدّس المياه أي قدّسَ عناصر الطبيعة كلها. فكما يقول إفشين تقديس المياه فهو "حرّر طبيعتنا كلها". وهكذا تحلّ البركة الروحية على الخليقة بأجمعها وتعطى لها إمكانية التقديس. وبتكرر هذا السّر يصبح حضور الله من خلال المعمودية، إذ إنّه في كل سر معمودية يتم في كنيستنا يتم فيها تقديس الماء ليتم تغطيس الشخص المعتمد فيه، فيصبح هذا الماء شريكاً بالتقديس مع نهر الأردن الذي قدسه الرب باعتماده في مياهه. لذا، فالمسيحي المعتمد يتقدس ويتجدد حتى يسير في شركة مع حياة الله.

إننا نشكر الثالوث الأقدس والرب المتجسد والمعتمد الذي صنعَ تدبير خلاصنا بهذه الأسرار العجائبية العظيمة ذوات المعاني العميقة. ونحن اليوم بإيمان نسجد لسر إعتماده بخشوع. فالظهور الإلهي المثلث الأقانيم يقودنا دوماً إلى الطاعة والتواضع حتى نستطيع أن نشعر بهذه الأسرار المقدسة في كنيستنا لنحياها ونراها بالأعين الروحية. وكي نتقدس بها علينا أن لا ننسى أن كل هذه الأسرار قد حدثت من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا.  

| Return

Responsive image

جميع الحقوق محفوظة © 2019 مطرانية الروم الأرثوذكس