الإمساك والصوم

الإمساك والصوم

لتحميل المقال انقر هنا

لن تملك نقاءً روحياً أبداً ولا رأياً حكيماً ولا نتائج مؤكدة في حربك ضد الأهواء إن لم تحب الإمساك والصوم اللذين يعوّدانك على ضبط النفس في كل رغباتك. ستنفق حياتك وسط  ظلمة الحيرة والجهل، وستكافَأ على ذلك بالحرمان من الغبطة السماوية.

احفظ نفسك من الشراهة في الأكل والشرب، لان في كليهما تجد بداية كل خطيئة وأولها الزنى. انّ عدم ضبط النفس يولّد كل الشرور .فمن الشراهة والسُكر تضجر النفس، ويتكدّر الذهن، ويهتاج الجسد، ويتواقح الشيطان، ويبتعد الإنسان عن المحبة الإلهية .

إن أردت أن تصل محرراً إلى السماء عليك أن تتغلّب على الأهواء الشهوانيّة وان تسيطر عليها بالأسلحة الروحية التي أعطاها إياك الرب والكنيسة "من يغلب فسأعطيه ان يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله" ( رؤيا ٢ :٧ ) "ما يقوله الروح للكنائس".  وأيضا يقول:  "اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية. الجسد لا يفيد  شيئاً" (يوحنا ٦: ٢٧، ٦٣).

أعرض عن الشبع السهل لئلّا تجد نفسك مقيّداً بروابط الأهواء، وإذا صبرت على الجوع والعطش في الملذّات الجسدية فإنك ستشبع من الطعام السماوي ومواهب الله والبهجة المستمرة في ملكوته. "لان ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً، بل برٌّ وسلامٌ وفرحٌ في الروح القدس" ( رومية ١٤ : ١٧). كم من الملذّات الأرضيّة قد تُجرّب بها! وكم من الشهوات! لكنها، كانت كلها سحاباً ودخاناً. لم يبقَ شيء أبداً بين يديك أو في نفسك. وأكثر من هذا تبقى في تأنيب الضمير والمرارة النفسية، والضجر والخجل من الرب. ولا يمر وقت طويل حتى تعود إليها مرة أخرى من دون وعي ولا منطق "...كلبٌ قد عاد إلى قيئه وخنزيرةٌ مغتسلةٌ الى مراغاة الحمأة" ( ٢بطرس ٢: ٢٢) إن لم تعش هنا سماوياً فلا تنخدع بان السماء ستفتح لك "أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله.لا تضلُّوا، لا زناةٌ ولا عبدة أوثان ولا فَاسِقُون...ولا سارقون ولا طمّاعون...يرثون ملكوت الله" (١كورنثوس ٦: ٩-١٠). فالذي يُفتَن بالخيرات الأرضيّة ويُغَشّ بالملذّات الجسدية سيكون مثل ذاك الذي قد سمع: " انك استوفيت خيراتك في حياتك. والآن انت تتعذّب" (لوقا ١٦: ٢٥).

نظّم حاجاتك الجسدية وفق مشيئة الله، ولا تسيّر نفسك وراء أهوائك. فالمشيئة الإلهية هي مناسبة لطبيعتك ما دمت على صورة الله، اما أهواؤك فهي غير ملائمة لأنك اكتسبتها بعد السقوط وقد سحبك اليها الشيطان. ضع مقياساً لاحتياجاتك "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى ٤:٤).

 

في الحياة الأبدية لن تقتات من الغذاء والشراب الماديَّين بل من نعمة الروح القدس الإلهية. فالطعام والشراب جديدان وهما اللذان تكلم عليهما الرب عندما أَسّسَ سر الشكر الإلهي: "أقول لكم إني من الان لا اشرب من نتاج الكرمة هذا الي ذلك اليوم حينما اشربه معكم جديدا في ملكوت أبي" ( متى ٢٦: ٢٩). فلا تتعلق عيناك بالوجوه الجميلة لئلّا يُسبى قلبك بالجمال الفاسد ويبتعد بها عن الرب العريس،البهي في حسنه اكثر من بني البشر .كل انسانٍ عاشقٍ مقيَّدٌ بالجسد الفاسد، ويُحَلّ بالموت. العشق الالهي وحده حياةٌ ويبقى ابداً.

لا تقبل أفكار الزنى ولا تخضع لها لئلّا تسقط من محبة الله، ولا تحسد الذين يعملون مثل هذه الأعمال لأن "ذكرها أيضا قبيح"  (افسس  ٥: ١٢). وإذ ترى زوال الرغبات وبطلانها، إحتقِرَها وارتفع نحو الإلهيّات والابديّات. أحبِبْ العُذريّة والنقاوة بعمق وإرتبط بالزواج الروحي مع يسوع البتول والطاهر، لتتذوّق الملذات التي لا توصف في السماوات. إن آدم لم يُجرَّب بالرغبات الجسدية إلى أن خالف الله وسقط، فظهرت هذه بعد سقوطه و نفيه من الفردوس. "لذلك هكذا قال الرب أن رجعتَ أُرجِعُكَ فتقف امامي وإذا اخرجت الثمين من المرذول فمثل فمي تكون" (ارميا ١٥: ١٩). وقرّر الله أن يُبطل بيولوجية حياتنا بالموت لئلّا  يخلد الشر ويقودنا الى الموت البيولوجي في الحياة الأبدية وغير الفانية مستعيداً الجمال الإلهي القديم. نحن ماجُبِلنا للموت بل للحياة بما أننا على صورة الله، وفي الحياة التي دعانا إليها الرب والتي بدأت بعد الموت لن يكون فيها رغبات أو ملذّات جسديّة. إنّ مختاريِّ الله هناك "لا يُزّوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء" (متى ٢٢: ٣٠) ، وسيبتهجون بحضور العريس الإلهي ببهجة لا تنقطع. لأن النفوس الشجاعة تنطلق من هذه الحياة الحاضرة على طريق الملائكة وتتّحد من هذه الساعة بالرب مُحتَقِرةً كلَّ أمرٍ دنيوي.

 

من كتاب الأبجدية الروحية، للقديس ديمتريوس روستوف. نقلته عن اليونانية ماريّا قبّارة.مكتبة البشارة بانياس ٢٠٠٥

 

| Return

Attachments

  1. الصوموالامساك-min.pdf 3/16/2019 10:08:51 AM

Responsive image

جميع الحقوق محفوظة © 2019 مطرانية الروم الأرثوذكس