الكبرياء

الكبرياء

لتحميل المقال انقر هنا

تذكّر أن ملاكاً قد سقط من السموات بداعي الكبرياء. ومن الملاك تشكّلت زمرة الشياطين! لا تكن متكبِّراً لئلّا تصير كالشياطين. كن متواضعاً ووضيعاً لتصير نظير الملائكة. عندئذ سيباركك الرب: "انظر إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامي” (أشعيا ٦٦: ٢).

ليس بين البشر أسوأ من المتكبر والمزهوّ بنفسه عند الله. ولا يوجد افضل واسعد من الوديع والمتواضع والمبتهج عنده. الكبرياء بنت الجهل وعدم المعرفة والعمى الروحي. بينما يأتي التواضع من  المعرفة الحقيقية. إذا عرفت ذاتك حقاً لن تكون متكبّراً. إنّ عدم معرفة الذات يقود إلى الكبرياء. تأكّد على الاقل من أن "الرب يستهزئ بالمستهزئين هكذا يعطي نعمة للمتواضعين” (أمثال ٣ : ٣٤). يقبل الرب من المتواضع أتفه هديّة، ويُعرِض عن أكبر وأعظم هديّة من المتكبّر. الخاطئ المتواضع مرضيٌّ عند الله أكثر من البارّ المتكبّر. "مكرهة الرب كل متشامخ القلب” (أمثال ١٦ :٥).

خلال مجرى التاريخ البشري، كان الرب دائماً يُعرِض عن المتكبرين ويقبل المتواضعين. "أنزل الاعزّاء عن الكراسي ورفع المتضعين” (لوقا ١: ٥٢). أعرضَ عن الفلاسفة الحكماء وعن الفريسيّين المتشامخين، واختار خلفائه ممّن لا مكانة لهم من صيادين أميّين. أعرضَ  عن الأغنياء والحكّام النبلاء وإختار من أقربائه الأرضيين يوسف النجار الفقير ومريم المتواضعة. لا يتكبرنّ احد بسبب احد أجداده المعروفين. فكلنا لنا جدٌّ واحد؛ آدم العاصي والمنفي، ميراثنا هو التراب والطين، جُبلنا من الأرض وإليها نعود.

 إن كان لاحد ما مقام رفيع، فلا يتكبَّرَنَّ ولا يحتقرّن مرؤوسيه.

فالأفضل من كل الناس ومن كل الخليقة هو خالقك، خالق الكون بأسره، وقد أعطاك مثالاً للتواضع. اخذ صورة عبدٍ"وضع نفسه وأطاع حتى الموت،موت الصليب” (فيليبي٢: ٨). كل المراتب وكل الخيرات الدنيوية ستبقى هنا، وانت ستذهب الى هناك حيث لن تجد لهذه الامور أيّة أهمية، بل أن الرب سيكافئ كل أحد على اعماله.لهذا"ازدَدْ تواضعاً ما ازدَدْتَ عظمةً فتنال حظوةً لدى الرب” (سيراخ٣: ١٨) المتكبّرون استهزأوا بي الى الغاية. عن شريعتك لم أمِلْ” ( مزمور ١١٨: ٥١). لا يتّبع المتكبر أبداً طريق الرب المستقيم، بل طريق الشيطان المُضِلّ. لا شيء أبداً يبعدك عن الله بقدر الكبرياء والإنانية. وراء كل سقوط تجد الكبرياء متستِّرة. ووراء الخيرات الروحية التي تُجمَع بأتعابٍ كثيرة، أيضاً تستتر الكبرياء لتبدد وتنثر ما جمعته. تعمل خيراً وتتكبّر بقلبك المحب البشر. تضبط غضبك، وتتكبر

 

 

خافياً  الغضب داخلك. تصوم وتسهر،و تغضب مخبّئاً غيرتك.هكذا ستكون أعمالك وكل اتعابك باطلة، كالفريسي الذي أبطلت الكبرياء أعماله الصالحة وأبعدتها.

بما أن ذهنك هو عطية من الله وجسدك هو خليقة الله، فالفضائل التي حققتها من دون ذهنك والأمور المهمة التي صنعتها من دون استخدام جسدك هي التي يعود الفضل بها إليك. لذا كل الإنجازات التي حققتها قبل أن تولد هذه فقط تستحق المديح!. فعلى ماذا تتكبر إذاً؟ بما ان ما تبعَ ولادتك وكذلك الولادة ذاتها قد وهبت لك من الله!

 الكبرياء تنينٌ متعدّد الرؤوس، يحتوي في جوفه كل الأهواء والشرور. تولِّد الغضب، والإدانة، والحسد، وحفظ الإساءة، والرياء، وعدم الرحمة، والتجديف، إزدراء القريب، والعناد، والدَّهاء، وعصيان ناموس الله. وفي النهاية تقود إلى عدم الإيمان المطلق، والكفر، والمعاهدة مع الشياطين والجنون أخيرا.

 أتُريد بصراحة انت تتغلّب على الكبرياء، التي هي وحدها كفيله أن تفقدك ملكوت السماوات؟ عليك إذاً أن تفعل التالي:

* أن تحبَّ الصمت

* أن تعيشَ في عدم حبِّ الظهور، إذ تخفي عن الناس أعمالك الصالحة وأتعابك الروحية

* أن تحتمل التوبيخات والشتائم بلا تذمُّر ، وكذلك ضربات الله التأديبية

* ان تتذكّر خطاياك الكثيرة و تنسحق بسببها

* أن تدرس وتتعجّب من سير الآباء قدِّيسي الله

* ان تنَّمي في داخلك لوم الذات

* أن تتجنب المدائح تجنُّبك للنار

في النهاية أن تحتفظ في ذهنك بذكر دينونة الرب الرهيبة، هناك كل المتكبّرين سيتذلّلون لا محالة.

 

من كتاب الأبجدية الروحية، للقديس ديمتريوس روستوف. نقلته عن اليونانية ماريّا قبّارة.مكتبة البشارة بانياس ٢٠٠٥

 

| Return

Responsive image

جميع الحقوق محفوظة © 2019 مطرانية الروم الأرثوذكس