الصلاة

الصلاة

لتحميل المقال انقر هنا

 النفس التي لا تُصلِّي الصلاة، محكومٌ عليها بأن تموت من الاختناق الروحي مثل الجسد الذي يُحرَم من الأكسجين.

 لدينا نوعان للصلاة: الصلاةُ الجماعيَّة العَلَنيّة، والصلاةُ الفرديّة السريّة. يجب أن تُؤدَّى الصلاةُ الجماعيَّة دائماً بحسب الترتيب والتيبيكون الذي تسنُّه كنيستنا، وفي هذه الصلاة ليس لنا الحقّ أن نرتجل كما يفعل الهراطقة، فهناك أوقات ومضامين محددة من الكنيسة تتضمَّن ما يلي: "صلاة نصف الليل،  السحر، الساعات، القدَّاس الإلهي، الغروب، صلاة النوم". فالروح القدس الذي يجمع الكنيسة كلها حدّد هذه الصلوات ليُعْبَدَ الإله الحق، ويمجِّدَهُ البشر دائماً على الأرض كما تُمجِّدُه الملائكة في السموات.

أما الصلاة الفردية فليست مُحدَّدة، إنها الاتصال والحديث الشخصي للإنسان مع أبيه السماوي وللمخلوق مع خالقه. وهذه الصلاة يُعلِّمُها القدِّيس يوحنّا السُلَّمي بأنها اتحاد الإنسان وتواصله مع الله من حيث النوع، وأما من حيث الفعل فلها قدرة كبيرة أن تحفظ وترعى العالم ليصطلح مع الله، وأن تمحو الخطايا الكثيرة،  وتُنجِّي من التجارب، وتسحق حِيَل الأبالسة، وتَلِدَ كلَّ الفضائل، وتمنحَ مواهبَ الروح القدس، وتغذِّيَ النفس، وتنيرَ الذهن، وتُزيلَ الحزن والتهاون، وتُخمدَ الغضب، وتزرعَ الرجاء، وتعكسَ التقدُّمَ الروحي، وتكشفَ المستقبل.

" أمَّا أنتَ عندما تُصلِّي، أدخل إلى مخدعكَ واغلقْ بابكَ، وصلِّي لأبيكَ الذي في الخفية” (متى ٦: ٦). إن القلب هو "المخدع" الروحي الذي فيه يتَّحِدُ بالذهن ويَلِدُ ما يسمِّيه القديس فيلاكتوس "العقل الباطني". هناك في الداخل، تتكون الصلاة الداخلية التي لا تحتاج إلى تحريك الشفاه او استعمال الكتب أو إلى تجنيد العيون واللسان وأوتار الصوت، بل تحتاج لأن يرتفع الذهن الى الله وأن يغرقَ فيه بالكلية.

 إنّ "مخدع" قلبك الروحي هذا يسَعُ داخله الربَّ بكلِّيته وملكوت السماوات كما يؤكد هذا   الرب نفسه بقوله:" ملكوت الله داخلكم” (لوقا ١٧: ٢١)، فالقلب كما يفسره القديس مكاريوس القبطي هو عضوٌ صغيرٌ لكنه يَسَع الكل في داخله: هناك الله، والملائكة، هناك الملكوت والحياة الأبدية، والقدِّيسون وكنز المواهب. إذاً انسحب إلى مخدع قلبك الداخلي هذا باستمرار، وجمِّع ذهنك كله، وامْثُلْ ذهنيّاً أمام الله، وتواصل معه سريّاً  وبحرارة روحيَّة وإيمانٍ حي، متمرِّساً في اليقظة حتى تنتهي إلى "إنسان كامل".

تعلَّم افضل اسلوب للصلاة: أولاً ان تُوَجِّه الى الله شكراً صادقاً وعميقاً على كل شيء، وفي الدرجة الثانية أن تعترف بخطاياك بتوبة، وتشعر بانسحاقِ النفس. وأخيراً ارفع طلباتك إلى أبيك السماوي.

 إذا صلَّيتَ زمناً طويلاً ولم يَسمع الله طلباتك، فإنَّ هذا يعود لأسبابٍ ثلاثة : إمَّا لإنك تطلب شيئاً قبل ساعة أوانه، أو لإنك تطلبه بكبرياءٍ وانت غير مستحقّ له، أو لأن الله الكليَّ المعرفة يعلم أنه إذا حقَّقَ لك رغبتك ستسقط عُقبَ ذلك بالكبرياء والتهاون.

 

 هناك صلاةٌ مرضيَّةٌ لله ومُثمرة، وبالمقابل، هناك صلاةٌ مرذولة عنده وهي غير مثمرة. إن أردتَ أن يقبل السيِّد صلاتك، أُدْنُ منه بتواضعٍ وانسحاقٍ كبيرين، بأفكارٍ نقيَّة مع ثقةٍ عميقة بعنايته، بنقاوةٍ وبقلبٍ خالٍ من الغضب  وحفظ الإساءة، بروحِ تلمذةٍ وطاعة لمشيئته. هذه الشروط الاساسية للصلاة المثمرة.

 يقول الربُّ "إذا صلَّيتم فلا تُكَرِّروا الكلام عبثاً مثل الوثنيين فَهُم  يَظُنُّونَ أنَّهم إذا أكثروا الكلام يستجاب لهم” ( متى ٦: ٧).

ويُعلِّم القدِّيس يوحنا السُلَّمي أيضاً: "لا تطلبْ أن تقولَ الكثير في صلاتك، لئلّا يتشتَّت ذهنك. قولٌ عشَّاريٌّ واحدٌ إستعطفَ الله، وكلمةُ إيمانٍ واحدة خلَّصت اللِّص. فالكلمات الكثيرة في الصلاة كثيراً ما ولَّدَتْ في الذِّهنِ التخيُّلات ِوالتشتُّت، بينما الأقوال القليلة تجمع الذهن".

لهذا عليكَ ان تتمرّسَ بلا انقطاعٍ في الصلاة القلبية والصلاة الذهنيّة "يا ربِّي يسوعُ المسيح، ارحمني"، مطيعاً قول الرسول: "أُؤثر أنْ أقول خمسة كلماتٍ بعقلي... على أن أقولَ عشرةَ آلافِ كلمةٍ بلغاتٍ” (١كورنثوس ١٤: ١٩).إذا صارتْ هذه الصلاة نسمةَ حياتِك ستقودك مباشرةً للاتحاد سريَّاً بالرب.

الصلاةُ الحقيقيّة النقيَّة لا يستطيع إلَّا الرب أن يُعلِّمك إياها. فليس للصلاة مُعلِّمٌ آخر إلَّا الله وحده، " الذي يُعلِّم الإنسان المعرفة،... ويمنحُ الصلاةَ للمُصلِّي” (مزمور ٩٤: ١٠ و ملوك ٢: ٩). لذلك تشبَّه بذاكَ التلميذ الذي تضرَّع إلى المسيح ببساطة قائلاً: " يا ربُّ،  علِّمنا أنْ نُصَلِّي” (لوقا ١١: ١).

 

من كتاب الأبجدية الروحية، للقديس ديمتريوس روستوف. نقلته عن اليونانية ماريّا قبّارة.مكتبة البشارة بانياس ٢٠٠٥

 

| Return

Responsive image

جميع الحقوق محفوظة © 2019 مطرانية الروم الأرثوذكس