الغضب وحفظ الإساءة

الغضب وحفظ الإساءة

لتحميل المقال انقر هنا 

إنَّ قولَ الربِّ لجليٌّ وواضح، لكنه أيضاً رهيب: "كلُّ من يَغضب على أخيه باطلاً يكون مُستوجِبَ الحكم" ( متى٥: ٢٢). لا تغضب أبداً على أيِّ أحد (حتى ولو كان قد أساء إليك)، "لأنَّ غضب الإنسان لا يصنع بِرَّ الله" ( يعقوب ١: ٢٠). لهذا "إغضبوا ولا تخطأوا. لا تغربُ الشمسُ على غيظكم... ليُرفَع من بينكم كلُّ مرارةٍ وسُخطٍ وغضبٍ وصياحٍ وتجديفٍ مع كلِّ خُبثٍ. وكونوا لطفاءَ بعضكم نحو بعضٍ شفوقينَ متسامحين كما سامحكم الله أيضاً في المسيح" (أفسُس ٤: ٢٦، ٣١-٣٢ ).

 لا تغضب أبداً على أيِّ إنسانٍ ولا لأيِّ سببٍ كان. إلَّا إنْ أراد أحدٌ أن يفصلك عن الله وعن محبته، لكن مَن لديه القدرة أن يظفر بهذا، إلَّمْ تكُن تريدُه أنت ذاتك؟ "مَنْ سيفصلُنا عن محبة المسيح،... لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوّات ولا أمور حاضرة ولا مستقبَلة، ولا عُلو ولا عمق ولا خليقة أُخرى تقدرُ أن تفصِلَنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربِّنا" ( رومية ٨: ٣٥، ٣٨-٣٩).

"أكفُفْ عن الغضبِ ودَعْ عنكَ السُّخطَ. لا تَغْتَظ لئلّا تأثم. لأنَّ عمَّال الإثم سوفَ يُستأصلون. أمَّا الذينَ ينتظرون الربَّ فإنهم يَرِثُون الأرض" ( مزمور ٣٦: ٨-٩). أُنقُشْ على قلبك هذه الوصيَّة الواضحة التي أعطاها الله بِفَمِ النبي، واطرح عنك بعيداً هوى الغضب، لا يوجد أيُّ سببٍ في العالم يجعلك تغضب او تسخط ما عدا الظروف التي يُهان فيها مجدُ الله ويُحتقَر ناموسه، عندئذٍ يجب أن يرتبط الغضب بالتمييز كي لا تؤذي  نفسك. "اغضبوا ولا تُخطِئوا" (أفسس ٤: ٢٦)، هذا ما أوصى به الرسول بحكمة.

ربُّنا لم يكن غضوباً ولم يسخط أبداً، لكنه كان دائماً وديعاً وطويل الأناة مع الخطأة.

" تعلَّمُوا منِّي لأنِّي وديعٌ ومتواضعُ القلب فتجدوا راحةً  لنفوسكم" (متى ١١: ٢٩). عندما غضبَ تلميذاه على السامريِّين الذين لم يقبلوه، قالوا " يا ربُّ اتريد أن نقول أن تنزل نارٌ من السماء فَتَفْنِيهم؟"، أمَّا السيِّد فالتفَتَ إليهما وقال:

"لستما تعلمان من أيِّ روح أنتما" (لوقا ٩: ٥٤-٥٥). وسابقاً كان يُعلِّم قائلاً:

" إن غفرتُم للنَّاس زلّاتهم يَغفرُ لكم أيضاً أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلّاتِهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلَّاتكم" ( متى ٦: ١٤-١٥).

 ستسألني: إنَّ فلاناً قد أساءَ إليَّ، وأهانني، ووشى بي، وأذاني من دون أي سبب!...

لكن قُل لي انت من الذي أُسيءَ إليه أكثر من الله نفسه؟ مَنْ نُمَّ عليه، ومَن عُذِّب، ومَن الذي سُخِرَ منه، ومن أُهينَ اكثر منه، ذاك الذي هو مُنَزَّهٌ عن الخطأ؟ مَن صُفِعَ ولُطِمَ، وَمَنْ جُلِدَ، وَمَنْ صُلِبَ في النهاية كمُجرم بالرغم من أنَّه بريء؟ لكن مع كلِّ هذا، ذاك لم يغضب ولم يفعل شرَّاً مع صالبيه، بل، وفوق كلِّ ما حصل، صلَّى وهو على الصليب قائلاً: "يا أبتاهُ اغفر لهم فإنهم لا يدرون ما يفعلون" (لوقا ٢٣ : ٣٤).

 

 

 الوداعةُ تليِّنُ القلوب الحجرية، والغضبُ يُقسِّي القلوب الطريَّة. إنْ كان لديك سلطة لا تفرضها أبداً مع الغضب مُتحَدِّياً بها مرؤوسيك بالخوف. فالأحسن لك أن يحبُّوك مِن أنْ يخافوك. فمن الخوف يتولد الكذب والمُراءاة، ومِن المحبَّة تتأتَّى الصراحة والتشجيع.

الإنسانُ الغضوب أعمى ومجنون. لا يدري ماذا يقول وماذا يفعل. دائماً بعد ثورانه يندم بمرارة عن كلِّ ما فعله وما قاله مِن السخافة؛ لأن الغضبَ غير المُروَّض يُشوِّش الذهن، ويُقلق النفس، ويُرهق العقل، ويُبعد روح الله، ويترك الإنسان وحيداً خاوياً بين يدي الشيطان. من يُرَوِّض غضبَه بسرعةٍ يستطيع أن يضبط نفسه من الشرور.

إن حَدَثَ مرَّةً وأغضبكَ أحدهم، لا تقل شيئاً أبداً، بل اصمُتْ وارحَلْ ولا تسمح للهيبِ الغضبِ أن يخرج منك. لأنَّه سيحرِقُك مع المحيطين بك. وعندما يهدأ قلبك، قُلْ، إنْ إحتاج الأمر، كلمتي محبة من أجل المنفعة والبناء. قولٌ واحدٌ وديعٌ وهادىء سيكون أكثر إثماراً وإقناعاً من آلاف الكلمات الغاضبة!... في النهاية، تَذكَّر دوماً أنَّك لو كُنتَ متواضعاً لما غضبت، فالغضبُ هو الإبنُ المصطفى للغرور، فحيثُ يظهر التواضع يتلاشى الغضب كالدخان.

 مِن غلاَّت الغضب حِفظُ الإساءة. حِفظُ الإساءة هي حِفظُ للغضب وشرٌّ مستمر، وسوسُ النفس، و مسمارٌ مغروزٌ في النفس لا يتزعزع، فهو قاتلُ المحبة والصلاة والتوبة وكل الفضائل. إن أردتَ أن تنتصر على حفظِ الإساءة فعليك أن تحارب هوى الغضب الذي يُولِّدها. لكن إن أردتَ أن تقضي عليها فعليك عندئذٍ أولاً أن تجتهد لإقتناء المحبة والتواضع. وإلى ذلك الحين استعمل- كبلسمٍ مُهدىءٍ للغضب- ذكر آلام الربِّ يسوع المسيح، لأنَّ تَذَكُّرَ آلام السيِّدالمسيح الرهيبة وموته على الصليب ستليِّن نفسك الحافظة للإساءة لأنك ستشعر بخجلٍ بالغٍ وأنتَ تُفكِّر بتسامُحِه اللامتناهي.

 

من كتاب الأبجدية الروحية، للقديس ديمتريوس روستوف. نقلته عن اليونانية ماريّا قبّارة.مكتبة البشارة بانياس ٢٠٠٥

| Return

Responsive image

جميع الحقوق محفوظة © 2019 مطرانية الروم الأرثوذكس