التَّوبة

التَّوبة

لتحميل المقال انقر هنا 

احفظ نفسك بلا انقطاع في حالة توبةٍ ونوح. تحقَّق من ضعفاتك الصغيرة وحاربها لأنّك إذ تهتمَّ بالصغيرة كن أكيداً أنَّك ستسقط، وعندها ستجد نفسك غير مبالٍ بالكبيرة أيضاً، أحياناً تتولَّد أكثر الخطايا جديَّة من الفكر الخاطئ وغير المتواضع.

 بدايةُ الخلاص هي بدايةُ التوبة. وبداية التوبة هي الابتعادُ عن الخطيئة، وبدايةُ الابتعاد عن الخطيئة هي الإرادة الحسنةُ والصالحة.

 الإرادة الصالحة تلد الأتعاب، والأتعابُ الفضائل، والفضائل العملَ الروحي، وفي النهاية عندما يكون العمل الروحي مستمراً وثابتاً يُثَّبت الفضيلة في النفس ويجعلها حالة طبيعية، إذ ذاكَ حين تَصِل إلى هذه الدرجة النهائية ستكون لستَ ببعيدٍ عن ملامسة الله.

إسمع بإنتباهٍ شديد كيف يُشدِّد القدِّيس يوحنا السُلَّمي على التوبة الحقيقية: إنَّ التوبة هي تجديد المعمودية وهي مُصالحة مع الله من أجل حياة جديدة، وابتعاد كامل عن الخطيئة. وإنسحاق عميق وتواضع. التوبة ابتعادٌ ثابت عن كلِّ راحة جسديَّة وهي لومٌ للذات مستمرٌ. وهي عدم الاهتمام بشيء إلَّا بخلاص النفس. التوبة هي عملُ الفضيلة ومناقضةُ أعمال الخطيئة السابقة. وهي تنقيةُ الضمير الُمظلِم وصبرٌ طوعيٌّ على كلِّ الأحزان الآتية من الناس والشياطين. التوبةُ عقابٌ للذات وشقاءٌ للجسد مستمر. وهي حرق الخطايا بنار الصلاة المستمرة.

 كلُّ هذه تُكوِّن التوبة الحقيقية. ولكن هل هي دلالات توبتك أنت؟

 هذا العالم الذي نَسِي الله، ليس إلَّا أرض الخطيئة والعويل. ليس فيه شيءٌ صالح، ولا يستحق الثناء. الخطيئة تسود على كلِّ مكان، وهناك الإثم والعصيان، ونتائجها التي لا مفرَّ منها: الألم، والحزن، والتنهُّد. "كلُّ الرأسِ مريضٌ وكلُّ القلبِ سقيم. من أسفلِ القدم إلى الرأس ليس فيه صحَّةٌ بل جُرحٌ وإحباطٌ وضربةٌ طرَّية لم تُعْصَر ولم تُعْصَب ولم تُلَيَّنْ بالزَّيت" ( أشعيا ١: ٥-٦)، لهذا يا أخي " أُسكُب الدَّمعَ كالنَّهر نهاراً وليلاً. لا تُعطِ ذاتك راحةً. لا تَكُفَّ حدَقَةُ عينك" (مراثي إرميا ٢: ١٨).

 بكى كلُّ القدِّيسين وحزنوا كثيراً، تابوا على خطاياهم بالرغم من أنَّها أقلُّ منك " صارت لي دموعي خبزاً نهاراً وليلاً" و " مَزَجْتُ شرابي بدموعي" ( مزمور ٤١: ٣، ١٠٢: ٩). ما بكى السيِّد لأنَّه بحاجة لدموع الخطايا بل حَزِنَ على عدم توبة البشر وقساوة قلوبهم " وفيما هو يقترب نظرَ الى المدينة (مدينة اورشليم) وبكى عليها، قائلاً أنَّكِ لو عَلِمْتِ انتِ أيضاً حتَّى في يومك هذا ما هو لسلامك! ولكن الآن قد أُخفِيَ عن عينيكِ" ( لوقا ١٩: ٤١-٤٢).

 

 

 

 

كيف لا تبكي عندما ترى أنَّ حياتَك مليئةٌ بالتجارب والأحزان، والألم والنَّكبات؟، " أيُّ نعيم ثبتَ في الدنيا بدونِ أن يُخالطه حزنٌ؟ أم أيُّ مجدٍ استقام على الارض من غير انتقال؟ الكلُّ أضعف من الظل. الكلُّ أخدَعُ من الأحلام. لحظةٌ واحدة وجميع وهذه الأشياء يعقُبُها الموت..."[1]

كيفَ تُجَازِفَ بأنْ تفقد الحياة الأُخرة ولا تحزن على هذا؟ هذه هي المصيبة الكبرى. لا أحد يعرف ماذا سيجدُ هناك، وليس لدي أيّة فكرةٍ أو معلومات...، سيتسلَّل الموت كاللص ويفصل النفس عن الجسد.

 في أيَّة ساعةٍ  سيحدث هذا؟ ستغادر النفس إلى هناك حيث لم يكن هناك أحدٌ، سترى ما لم يعرفه أحدٌ، وستسمع ما لم يُسمَع مِن قبل.

إبكِ إذاً. تُبْ وقدِّم للرب دموعك كطيبٍ للتوبة. الدموع تُطهِّر النفس وتمسح كل وصمة، تُبهجُ الضمير وتُنير الذهن، تحُلُّ سيور الأهواء وتمزِّقُ الخطايا المكتوبة.

إبكِ ونُحْ بتوبة، لتَغسِلَ خطاياك وتُطهِّرَ دنسَ نفسكَ وتُشفى من العمى الروحي، ولتُغرِقْ في بحر الدموع مفهوم فرعون العقيم، ولتَمْحُو بمجاري عينيك لهيبَ مذاقةِ الجحيم، وتُؤَهَّل للحياة الأبديَّة في المسيح يسوع ربِّنا.

 

من كتاب الأبجدية الروحية، للقديس ديمتريوس روستوف. نقلته عن اليونانية ماريّا قبّارة.مكتبة البشارة بانياس ٢٠٠٥

 

 

[1] الإيذيوميلا الأولى للقدِّيس يوحنّا الدمشقي

| Return

Responsive image

جميع الحقوق محفوظة © 2019 مطرانية الروم الأرثوذكس