عظمة القيامة للقديس يوحنا الذهبي الفم

عظمة القيامة للقديس يوحنا الذهبي الفم

عظمة القيامة

للقديس يوحنا الذهبي الفم

 

إنها لساعةٌ مناسبة أن نعلن ما قاله داود النبي: "من يقدر أن يتكلم بعظائم الرب ويخبر بجميع تسابيحه" (مزمور 106: 2)، نعم لقد وصل إلينا ما نرجوه ألا وهو عيد خلاصنا.

إنه يوم قيامة الرب يسوع المسيح، إنه متَطلَب السلام، إنه سبب تصالحنا واختفاء الحروب وبطلان الموت، وهو دمار الشيطان. اليوم اختلط البشر مع الملائكة، فهؤلاء الذين لديهم أجساد يقدِّمون التمجيد مع من لا أجساد لهم. اليوم تُبطّل سلطة الشيطان. اليوم قد انحلَّت أربطةُ الموت وظهر الانتصار على الجحيم. اليوم نبتهج ونفرح حين نقول النبؤات (سفر هوشع 13: 14) «مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ تَخْتَفِي النَّدَامَةُ عَنْ عَيْنَيَّ»، والتي ذكرت أيضاً في (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 15: 55) «أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟».

اليوم ربنا يسوع المسيح قد سحق أبواب الجحيم النحاسيَّة وأباد الموت عينه. لماذا أقول الموت عينه؟ لأن الموت قد تغيّر اسمه ولم يعد اسمه موتاً وإنما رقاداً ونوماً، لأنه وقبل مجيء المسيح واهتمامه بالإنسان عن طريق الصلب، كان اسم الموت بحد ذاته مخيف لأن الإنسان الأول قد حُكم عليه بأن يسمع به وكأنه عقاب كبير (سفر التكوين 2: 17) "وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ». و(أيوب الصديق) "الموت هو راحة للإنسان"، والنبي داود قال:"إن موت الخطأة شرّ" (مزمور 33: 21). ولم يكن الموت انفصالاً عن الجسد فحسب وإنما هو الجحيم، إسمع ما قاله البطريرك يعقوب: (سفر التكوين 42: 38) فَقَالَ: «لاَ يَنْزِلُ ابْنِي مَعَكُمْ، لأَنَّ أَخَاهُ قَدْ مَاتَ، وَهُوَ وَحْدَهُ بَاق. فَإِنْ أَصَابَتْهُ أَذِيَّةٌ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي تَذْهَبُونَ فِيهَا تُنْزِلُونَ شَيْبَتِي بِحُزْنٍ إِلَى الْهَاوِيَةِ».واسمع ما يقول أشعياء النبي: (5: 14) "لِذلِكَ وَسَّعَتِ الْهَاوِيَةُ نَفْسَهَا، وَفَغَرَتْ فَاهَا بِلاَ حَدٍّ، فَيَنْزِلُ بَهَاؤُهَا وَجُمْهُورُهَا وَضَجِيجُهَا وَالْمُبْتَهِجُ فِيهَا"، وداود النبي يقول: (مزمور 86: 13)"لأن رحمتك عظيمة نحوي وقد نجيت نفسي من الهاوية السفلي". وفي علامات كثيرة من العهد القديم ستجد اسم الموت متحداً بالجحيم وهو يعني الانسحاب من عالمنا الحاضر. وها هو المسيح الهنا قد قُدِّم ذبيحة وقام، وبالتالي فإنه ألغى هذه الأسماء (أي الموت والجحيم)، وإعطانا الرب المحب البشر أسماءً جديدة نستخدمها على الأرض، أي أنه عوض الموت والانسحاب من الحياة الحاضرة أصبح يسمى رقاداً ونوماً. وكيف يظهر هذا؟ اسمع ما يقوله المسيح نفسه: (إنجيل يوحنا 11: 11) "قَالَ هذَا وَبَعْدَ ذلِكَ قَالَ لَهُمْ: "لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ. لكِنِّي أَذْهَبُ لأُوقِظَهُ"".

وهكذا كما هو سهل علينا ان نوقظ ونقيم النائم كذلك أيضاً يستطيع ربُّ الكل وبسهولة أن يقيم المائت. وبما أن كلماته هذه كانت جديدة ومستغربة على الجميع حتى أن الرسل أنفسهم لم يستطيعوا ان يفهموها، لذلك تنازل بدوره الى مستوى فهمهم وقال لهم بكل وضوح: (يوحنا 11: 14) "فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ حِينَئِذٍ عَلاَنِيَةً: "لِعَازَرُ مَاتَ"". ومعلّم المسكونة القديس بولس يكتب الى أهل تسالونيكي ويقول:" ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ." (1 تس 4: 13). أيضاً يقول في (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 15: 18) "إِذًا الَّذِينَ رَقَدُوا فِي الْمَسِيحِ أَيْضًا هَلَكُوا!"، ويقول أيضاً في (تسالونيكي 4: 15)" فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ" وكذلك في (تسالونيكي 4: 14) " لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ".

أرأيت كيف أن الموت بعد قيامة المسيح يسمى رقاداً ونوماً؟ وهذا الذي كان اسمه مخيف في العهد القديم أصبح سهل بعد قيامة المسيح، وانظر كيف أن التحوُّل قد صار بالقيامة، فبالقيامة أتت إلينا الخيرات التي لا حدَّ لها وبها قد انحلَّت حيلُ الشياطين، وبها أيضاً استهزأنا على الموت، وبها احتقرنا الحياة الحاضرة، وبها أيضاً نشتهي بحرارة الخيرات المستقبلية، وبالقيامة فبالرغم من أنه يوجد لنا جسد إلا أنه لا ينقصنا شيء عن العادمي الأجساد.

 إن أردنا أن نعرف فإن اليوم حدث لنا الانتصار المضيء، اليوم حوّل ربنا انتصاره ضد الموت وحلّ سلطة الشيطان ووهبنا بقيامته طريق خلاصنا. لنفرح إذاً ونرقص ونبتهج لأن الرب قد أنشأ هذا التحوُّل فأصبح النصر لنا والفرح لنا، لأن ما صنعه الرب صنعه لأجل خلاصنا. وبالطريقة نفسها التي عاملنا بها الشيطان انتصر عليه المسيح.

لقد استخدم المسيح نفس الأسلحة وبها انتصر عليه، اسمع ما هي الطرق:

العذراء والخشبة والموت كانوا رمز حرّيتنا، وحقاً فإن حواء كانت عذراء، لأنها قبل الخطيئة لم تعرف رجلاً. والخشبة كانت الشجرة وأما الموت فقد كان عقاب آدم. أرأيت كيف أن رموز حرّيتنا كانوا العذراء والخشبة والموت، انتبه كيف أصبحت هذه وسائل انتصارنا. في مقام حواء جاءت مريم العذراء، وفي مقام الخشبة التي كانت لمعرفة الخير والشر صارت خشبة الصليب، وفي مقام موت آدم صار موت الرب. أتنظر إنها وبنفس الوسائل التي انتصر علينا بها الشيطان قد هُزِم.

بقرب الشجرة انتصر الشيطان على آدم، ومن على الصليب انتصر المسيح على الشيطان، والخشبة قديماً أرسلت آدم إلى الجحيم، وبالخشبة الآن (خشبة الصليب) أعاد الأموات من الجحيم، أما الجحيم فقد خبأت المهزوم (آدم) وكأنه مأسوراً وعرياناً، وأما هذا (المسيح) فقد اظهر انتصاره إلى الجميع عرياناً ومسمّراً عالياً. موت آدم قد حَكَمَ بالموت على من عاش بعده، أما موت المسيح فقد أقام حقاً الذين عاشوا قبله. من يستطيع أن يفسِّر قوّة الرب أو يظهر مجده؟ لقد حوّلَنا من أموات إلى عادمي الموت، ومن أموات إلى قائمين، ومن مهزومين إلى منتصرين.

هذه هي استحقاقات الصليب، هذه تعتبر أهم مفاعيل القيامة. اليوم ترقص الملائكة وتبتهج جميع القوى السماوية فرحاً لخلاص الجنس البشري، لأنه إن كان يحدث فرح في السماء وعلى الأرض بخاطئ واحد يتوب فإنه يصبح بالأكثر هذا الفرح بسبب خلاص المسكونة كلّها.

اليوم وكون المسيح قد حرّر جنس البشر من سلطة الشيطان فقد أعاده إلى مكانه الأول المكرَّم. عندما أرى عطيّة الله هذه التي بها انتصرنا على الموت، لا أخاف بعد اليوم ولا ارتعد من الحرب ولا أرى ضعفي البشري، ولكنّي انظر إلى قوة المسيح الذي انتصر على سلطة الموت وسلبه جميع قدراته، فماذا يستطيع أن يفعل مع مثال جنسنا (المسيح) الذي أخذَنا وجعلَنا مستحقين أن نكون معه، وبقوّتِه نستطيع أن نتصارع مع الشيطان، ناشرين الفرح في كل العالم بابتهاج روحي. اليوم جميع الملائكة والقوات السماوية تفرح لخلاص البشر.

أنظر إذاً كم هو الفرح عظيم كون القوات السماوية تفرح معنا لأجل الخيرات التي لنا، فبالرغم من أن هذه الخيرات تعود لنا إلا أن فرحهم عظيم، لذلك فالملائكة لا تخجل من أن تعيّد معنا. لماذا قلت لا تخجل؟ لأن السيد نفسه يشتاق أن يعيّد معنا، وكيف يظهر ذلك؟ اسمعه نفسه ماذا يقول: (إنجيل لوقا 22: 15) "وَقَالَ لَهُمْ: "شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ""، لو أنه حقاً اشتهى أن يأكل الفصح فمن الواضح أنه يشتهي أن يعيّد معنا، إذاً فعندما ترى أنه ليس القوات السماوية فحسب وإنما رب هذه الملائكة يعيّد معنا، ماذا ينقصك في أن تفرح كثيراً؟ إذاً لا يجب على أي واحد منّا اليوم ان يكون حزينا بسبب فقره لأن اليوم هو عيد روحي.

على الغني أن لا يتكبر بسبب غناه لأنه لا يستطيع أن يقدّم أي شيء من نقوده لهذا العيد. أما في الأعياد التي خارج الكنيسة أي في العالم حيث تصير مظاهر كثيرة من تحضير احتفالات خارجية وموائد فاخرة، فمن المؤكد ومن الطبيعي أن يكون الفقير حزيناً وغاضباً وأما الغني فيكون فرحاً ومبتهجاً، ولكن لماذا؟ لأن الغنى ليس بالثياب الفاخرة وبتقديم المائدة الغنية وأما الفقير فإن فقره يعيقه من أن يظهر كرمه مما يسبب له الحزن. ولكن هنا أي في عيدنا لا يحدث مثل هذا الأمر، ويغيب أي امتياز كونه توجد مائدة واحدة لكلٍّ من الغني والفقير والعبد والحر.

وإن كنت غنياً فأنت لا يوجد لديك أي امتياز اكثر من الفقير، وإن كنت فقيراً فليس لديك شيء أقل من الغني ولن تقل مائدتك الغنية الروحية بسبب فقرك، لأن نعمة الله لا تحابي الوجوه . ولماذا أقول أن نفس المائدة تكون أمام الغني والفقير؟ ولنفس الشخص الذي عنده التاج الملوكي ويلبس البرفير الملوكي والذي عنده السلطة المسكونية والفقير الجالس يستعطي الصدقة، يوجد لهم نفس المائدة.

هذه هي إذاً العطايا الروحيّة، لا تمييز بين الأشخاص في المجتمع بحسب سلطانهم، ولكن كل منهم بحسب رغبته وأفكاره، وبنفس الحماس والكرامة يركض الملك والفقير كي يأخذوا الأسرار المقدَّسة الإلهيّة. ولماذا أقول بنفس الكرامة؟ لأن الفقير أحيانا يأتي بحماس أكثر. لماذا يحدث هذا؟ لأن الملك الذي يحيطه اهتمامات ومتاعب كثيرة يكون وكأنه في وسط البحر الهائج فتضربه الأمواج من كل جانب وبشكل مستمر وتدمّره الخطايا الكثيرة. ولكن الفقير يكون متحرراً من كل هذه الاهتمامات، فهو مهتم فقط في تدبير قوته (طعامه) اليومي الضروري، فتكون حياته هادئة خالية من الإهتمامات وكأنه جالس على الميناء الهاديء يقترب بتقوى كبيرة تجاه المائدة. وليس فقط هذا ولكن الغني يشعر أيضاً بكثير من الغضب بسبب أعياده العالمية.

لأنه في الأعياد العالمية يكون الغني فرحاً وأما الفقير فحزين. ليس فقط من أجل الموائد الفاخرة وانما من أجل الثياب والمظاهر التي تفوق الخيال. فالمريض في الموائد الفاخرة (الغني) هو مريض أيضاً بالثياب، لأنه عندما يرى الفقير أن الغني يلبس الثياب الفاخرة يشعر بحزن كبير ويشعر بنفسه أنه تعيس، وعندها يبدأ باللعنات. ولكن في هذا العيد يختفي الحزن لأن لباس الخلاص هو نفسه للجميع. وبولس الرسول يصرح قائلاً: (رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية 3: 27) "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ".

علينا أن لا نهين هذا العيد أرجوكم وعلينا أن نقتني فماً يستحق النعمة التي وهبنا إياها المسيح. ولا نسلِّم ذواتنا إلى السكر والشراهة، كوننا نعي سخاء الرب الذي أكرم الغني والفقير والعبد والحر وأرسل لهم نفس النعمة. لنكافئ المحسن لنا بالمحبة التي أظهرها لنا. والمكافأة هي تصرفاتنا المرضيّة أمامه وأن نقدم له نفساً رصينة وساهرة. هذا العيد وهذا الاحتفال لا يحتاج الى نقود ولا مصاريف، ولكن إلى ضمير صالح وفكر طاهر. لا يوجد شيء مادي نقدمه هنا ولكن ما نقدمه هو كل شيء روحاني، مثلاُ: أن نسمع لكلام الرب ولأدعية الآباء ولبركات الكهنة وأن نتقدم لتناول الأسرار الإلهية الشريفة، وليكن لدينا السلام والوحدة وعطايا روحية التي تثمّن كرم وسخاء ذاك الذي وهبنا إياها.

إذاً لنعيدنّ العيد بما يناسب قيامة الرب لأنه قام وأقام معه المسكونة. وهو قد قام حقاً. حطّم قيود الموت وأقامنا كونه حلّ عنّا أكوام خطايانا. لقد أخطأ آدم ومات ولكن المسيح لم يخطيء ومع ذلك فقد مات، شيء جديد ومذهل. ذاك أخطأ ومات وهذا لم يخطيء ومات. لأي سبب ولأي هدف عمل هذا؟ حتى يستطيع هذا الذي أخطأ ومات أن يتحرَّر من قيود الموت بمعونة الذي لم يخطيء ومات. هذا ما يحدث في كثير من الأحيان لأولئك الذين يقرضون نقوداً، إنسان يقرض نقوداً لشخص آخر ولا يستطيع هذا المقترض أن يسدِّد فيُسجن، فيأتي شخص آخر يملك نقوداً فيدفع دين المسجون ويحرّره. هذا ما حدث لآدم والمسيح، فآدم كان مديناً للموت، والشيطان كان سجّانه، والمسيح لم يكن مديناً وليس عليه من الشيطان أية سلطة، جاء ووضع موته من أجل هذا السجين بهدف تحريره من قيود الموت، أرأيت استحقاقات القيامة؟ أرأيت حبّ الرب للبشر؟ أرأيت اهتمامه العظيم بنا؟

علينا أن لا نكون مجحدين وعديمي الشكر للمحسن الكبير، فليس لأن الصيام قد انتهى نصبح لا مبالين، وإنما علينا الآن أن نهتم بأنفسنا أكثر من السابق حتى لا تصبح نفوسنا أضعف لأن أجسادنا قد تسمّنت، ولا نهمل الذي أضافنا وعوضاً عنها نهتم بالخادمة.(المضيف للنفس هو المسيح، والخادمة هي الاهتمامات الأرضية).

قل لي ما هو هدف الشراهة في الطعام والشراب عندما يزيد عن حده؟ إننا ندمر أجسادنا ونُهين رزانة النفس، إذاً علينا أن نكتفي بالقليل والضروري حتى لا نضيّع ما اقتنيناه بصيامنا من فائدة للنفس والجسد. هل أنا اعيقكم عن الطعام الزائد والتسلية المفرطة؟ لا اعيقكم ولكني أنصحكم أن تعملوا الأشياء الضرورية فقط. وأن نتوقف عن التسلية المفرطة ولا ندمر صحّة النفس عند زيادة هذه الأمور عن حدّها. لأن ذاك الذي يزيد عن حد احتياجاته سوف لن يأخذ اي ابتهاج، ويعرف حق المعرفة أولئك الذين جربوا هذه الأمور لأنهم يجتذبون لذواتهم الأمراض الكثيرة ويعانون من حزن كبير. ولكن أنتم تطيعون وصيتي ونصائحي ولا أشك في ذلك لأني أعرف كم أنتم مطيعون.

لذلك سأتوقف هنا عن إعطاء نصائح بهذا الموضوع وأريد أن أوجّه كلامي لأولئك الذين استحقوا في هذه الليلة المشرقة أن يأخذوا نعمة الله في سرّ المعمودية، هؤلاء النباتات اليانعة في الكنيسة والأزهار الروحيّة والجنود الجدد للمسيح. في اليوم الذي سبق الأمس كان المسيح على الصليب ولكنه قد قام الآن. كذلك أيضاً هؤلاء في اليوم الذي سبق الأمس كانت الخطيئة تستعبدهم، ولكنهم اليوم قد قاموا مع المسيح. ذاك بجسده مات وقام وأما هؤلاء فقد كانوا مائتين بخطاياهم وقد قاموا من الخطيئة. الأرض في وقت الربيع تقدم لنا وروداً وأزهاراً أخرى، ومياه المعمودية تقدم اليوم مرعى أجمل من هذه الأرض.

لا تتذمروا يا أحبائي كونه نبت من المياه حقول ورود، لأن الأرض بحد ذاتها لم تعطِ وروداً ولم تزهر لو أن الله لم يأمر بذلك حتى وإن كانت الطبيعة تحتاج إليها. والمياه أخرجت من جوفها أحياء مائية عندما سمعت صوت الرب (تكوين 1: 20) " وَقَالَ اللهُ: «لِتَفِضِ الْمِيَاهُ زَحَّافَاتٍ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ، وَلْيَطِرْ طَيْرٌ فَوْقَ الأَرْضِ عَلَى وَجْهِ جَلَدِ السَّمَاءِ» ويأمر الله فيتكون ما يأمر به، خرج من الجوهر الميت أحياء حيّة، وهكذا بأمرٍ قد خلق الكل، عندما قال لتفض المياه زحافات ذات نفس حية. الآن المياه لا تفض زحافات وإنما نعماً روحية، حينها في القديم أخرجت المياه أسماكاً غير عاقلة ولكن الآن أفاضت مياه المعمودية أسماكاً عاقلة وروحانية التي اصطادها الرسل. لأنه يقول (إنجيل متى 4: 19) فَقَالَ لَهُمَا: «هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ». نعم حقاً هذه الطريقة في الصيد هي طريقة جديدة، لأن كل الذين يصطادون فإنهم يصطادون سمكاً حياً ولكنه يموت أما نحن فبالعكس نرمي شباكنا ونعطي للأموات الذين نصطادهم حياة.

في وقتٍ ما كان لليهود بركة ولكن انظر ما هي قوتها، حين ترى فقر اليهود وتستطيع أن تدرك قدر الغني عندما كان ينزل ملاكاً هناك ويحرك المياه والذي ينزل في الماء أولاً كان يشفى من أمراضه (إنجيل يوحنا 5: 4) "لأَنَّ مَلاَكًا كَانَ يَنْزِلُ أَحْيَانًا فِي الْبِرْكَةِ وَيُحَرِّكُ الْمَاءَ. فَمَنْ نَزَلَ أَوَّلًا بَعْدَ تَحْرِيكِ الْمَاءِ كَانَ يَبْرَأُ مِنْ أَيِّ مَرَضٍ اعْتَرَاهُ". نزل رب الملائكة إلى مياه نهر الأردن وكونه قدّس المياه فإنه شفى المسكونة بأجمعها، هناك من كان ينزل بعد نزول الأول لا يشفى من أمراضه لأن النعمة أعطيت لليهود المرضى او للذين يزحفون على الأرض، ولكن هنا بعد الأول يدخل الثاني والثالث والرابع حتى ولو كثيرون، حتى ولو جميع المسكونة في هذه المياه الروحانية فإن النعمة لا تنقص ولا تنتهي العطايا ولا تتسخ المياه ولا ينقص سخاؤها.

انظر كم هي عظيمة عطية الله، إسمع يا أيها الذي في هذه الليلة اصبحت مواطناً لأورشليم العلوية والذي أخذت العطايا الكثيرة لأن الامتنان والعرفان بالجميل لله الذي أعطاك كل هذه العطايا وهو الرب السخي لا يكون هذا الامتنان مقبولاً إن عشت حياة اللامبالاة، ولكن عليك أن تصنع قانوناً ونظاماً لحياتك وأن تعمل كل شيء بشكل كامل وتحافظ على نفسك من كل ما يعتبر شراً. لأن الحياة الحاضرة كلها عبارة عن جهاد مستمر فذاك الذي يدخل إلى سباق الفضيلة مرة وإلى الأبد عليه أن يكون عفيفاً في كل شيء. كما يقول بولس الرسول في (1 كو 9: 25) "وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَمَّا أُولئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إِكْلِيلًا يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلًا لاَ يَفْنَى". ألا ترى المصارعين في المبارزات كم يهتمون بأنفسهم وهؤلاء يصارعون بشراً فلم يهتموا بأن يكونوا عفيفين بأجسادهم؟ وهنا أيضاً هكذا الآن فإن مصارعتنا ليست مع لحمٍ ودم ومع بشرٍ ولكن مع الأرواح الشريرة، لذا فإن النسك والعفة تكون أسلحتنا روحياً، لأن الأسلحة التي أعطانا إياها الرب هي أسلحة روحية. لذلك عليكم أن تحافظوا على عيونكم ضمن نظام محدد حتى لا تنظروا إلى كل ما ترونه دون تعقّل. وعلى ألسنتكم أن تكون منضبطة حتى لا تسبق أذهانكم، فإن أسنانكم وشفاهكم قد خلقت من أجل أن تحفظ وتضبط ألسنتكم، حتى لا تخرج دون أي تفكير حين تفتح الأبواب، وبالتالي فعلى اللسان ان يحدد ما يجب أن يتكلم به وينطق كلاماً مفيداً لكل من يسمعه ويقول كلاماً يبني الأشخاص الذين يسمعونه، وعليه أن يتجنب بالكلية الضحك غير اللائق، ويكون عنده خطوات هادئة.

وعليكم أيضاً أن يكون لباسكم محتشماً، وعلى النساء أن يأخذن كل ما قلناه بعين الاعتبار وينظمنه في طريق الفضيلة، لأن التصرّف الخارجي اللائق يظهر ما تحتويه نفوسنا الداخلية، فإن ضبطنا أنفسنا منذ البداية بهكذا تصرفات، نسير بيسرٍ في طريقنا، عندها نستطيع أن نصل إلى جميع الفضائل، وسوف لن نحتاج إلى جهدٍ كبير، وسنأخذ مساعدة كبيرة من الله، وهكذا ستعبُر أمواج حياتنا الحاضرة بسلام وبالتالي ننجو من فخاخ الشيطان.

نستطيع ان نربح الصالحات الأبدية بنعمة المسيح ومحبته للبشر مع أبيه وروحه القدوس الذي ينبغي له كل المجد والقوة والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين.    آمين

 

 

ترجمة الأيكونومس د. إبراهيم دبّور

 

| Return

Responsive image

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مطرانية الروم الأرثوذكس