جوهر الله وقدرته

جوهر الله وقدرته

 

نحن نؤمن بأن الله صالح وجميل وخالق، ولكن الجمال والصلاح لا يعودان لجوهر الله لأن جوهره غير معروف لنا ولا يمكن لنا أن ندركه، وبالرغم من أن هذه الصفات تأتي من جوهر الله إلا أنها ليست هي جوهره، فالصلاح والجمال يشكلان القدرات غير المخلوقة التي لله غير المخلوق. ونستطيع أن نعطي مثلاً ونقول: بما أن الله خالق، فإن عملية الخلق هذه تعتبر من ضمن قدراته غير المخلوقة.

في المصطلحات اللاهوتية عندما نقول أن الله يؤلِّه الإنسان، فهذا يعني أن الله يجعل الإنسان إلهاً بالنعمة بواسطة قدراته المؤلِّهة. عندما نتكلم عن النشاطات التي يقوم بها الله، فإننا دائماً بهذا القول نعني به قدرات الله، أما جوهره فنعجز عن أن نقول عنه أي شيء، لذلك فإن الآباء يسمّون الله بـ ِ"ما يفوق الجوهر أو الجوهر المستور".

"إن كل ما يظهره الله لنا من الحقائق الإلهيّة، نستطيع كإنسان أن ندركها فقط عندما نشترك فيها، ولكن ما هي هذه الحقائق الإلهية، وما هو مصدرها ومن هو مؤسسها؟ فهذا ما يفوق الذهن ويفوق كل إدراك، فعندما نسمّي (ما هو أعلى من الجوهر للحقائق الإلهية) ببعض التسميات مثل: (الحياة أو الجوهر أو النور أو السلام) فإننا لا نقصد بها سوى القدرات التي تُعطى لنا من قِبَل الله، وإما أن تُعطى عن طريق الرؤى الإلهية أو بطريقة مباشرة أو بأن تكون مُحيية أو كعطية الحكمة. نستطيع أن نقترب من جميع المستورات الإلهية ونعرفها عندما نتحرر من التفكير العقلي والمتطلب البرهاني حول التأله أو الحياة أو حول جوهر الله، حيث أن هذا المتطلب يسبب لنا الابتعاد عن إدراك هذه كلها" (هذا كلام القديس ذيونيسيوس الأريوباغي).

إذاً، فإن جوهر الله غير المُدرك هو شيء، وشيء آخر هي قدرته التي بإمكان الإنسان أن يختبرها. وبالتالي فإننا نعتبر أن قدرة الله غير المخلوقة هي نشاط جوهره، والتي من خلالها يَخلِق جميع المخلوقات ويحفظها بتواصل مع بعضها البعض وطبيعياً مع الإنسان.

نقول هذا دون أن نفصل عمل الله عن جوهره. الله هو هو، ويبقى واحد، كما ويبقى سرَّه خفياً، فلا أحد يستطيع أن يشترك معه كإله فائق الإدراك، ولكن في نفس الوقت بإمكاننا أن نختبر قدراته، ومن خلال قدراته نستطيع أيضاً أن نكون في علاقة مع كافة المخلوقات، وهنا نجد ما هو مضاداً لمنطق أرسطو.

يقول أرسطو أنه يوجد المتحرِّك الأول الذي به يكون الجوهر وهو قدرة، أي يظهر أن أرسطو يوحِّد بين جوهر الله وقدرته، ولكن كما أن قدرته غير مخلوقة كذلك أيضاً جوهره، لذلك فإن الله في نفس الوقت هو مختبِر وغير مختبَر، وهذا ما يعلِّمه لنا الآباء المتألّهون.

يجيب القديس غريغوريوس بالاماس على برلعام بطريقة حكيمة وبأسلوب مفهوم ويقول:

"كل الاشياء التي هي في الحقيقة موجودة نستطيع أن نشترك بها مع الله، ولكن الجوهر الفائق الوصف يبقى غير مختبَر من جهة الإنسان. وبالتالي لابد من وجود شيئاً آخر بين (غير المُختبَر والمختَبِر)، أي بين الجوهر الذي لا يستطيع أي إنسان أن يختبره، وبين الأمور التي يستطيع الإنسان أن يختبرها ويشترك بها، وبواسطة هذه الحلقة، يصبح بإمكاننا أن نشترك بالله، فيصير كل من هو موجود بإمكانه أن يشترك في نشاط الله وفي عمل الخلق الوجودي. لذا، ستكون هناك خسارة كبيرة وضياع مخيف لو اختفت هذه الحلقة التي تربط ما بين غير المشترَك في جوهره (أي الله) والمخلوقات التي تشترك في قدراته. إن أردت أن تجعلنا مشتركين بالله فلا تبعدنا عن هذه الوحدة الحقيقية، لأنك ستضع حينها هوَّة عظيمة وغير مجسَّرة ما بين الله ومخلوقاته، وما بين العناية الإلهية وأي شيء حقيقي موجود. إن فعلت كذلك، حينها يجب علينا أن نبحث عن إله آخر، ليكون غير منطوٍ على ذاته ولا مكتفياً بذاته أو منعزلاً، ولا عاملاً فقط ضمن نطاق إرادته الذاتية مهتماً في ذاته فقط، حينها سيكون معتقاً من جميع المتغيرات. ليس فقط كذلك بل وأن يكون أيضاً صالحاً، وفي وسط صلاحه بأن يكون أيضاً لا رغبة لديه في الانعزال والعمل لذاته فقط، دون العمل من خلال إرادته وقدراته معنا، بل إنه يحوِّل ناظره إلى ما هو صالح لخليقته.

إنه فقط في هذه الحالة يفرحنا، وهو أيضاً لا رغبة له بأن يكون غير فاعل في إحسانه. حينها وفي هذه الحالة فقط بإمكانه أن يكون غير متحرّك (أي ثابت في جوهره)، ولكنّه مُحرِّكٌ في نفس الوقت، وهكذا يبقى دائماً مشاركاً لخليقته من خلال علاقته بخليقته ومن خلال نشاط أو حركة عنايته، لأنه لو لم يكن مشاركاً لنا لكان علينا أن نبحث مجدّداً كي نجد إلهاً آخر يكون مشاركاً لنا، وهكذا وبهذه المشاركة نستطيع أن نوجَد ونحيا ونصبح آلهة.

وكما يعلِّم آباء الكنيسة فإن القدرة غير المخلوقة تنبع من جوهر واحد لله الثالوث "وبسبب برِّ الله فإنها تتضاعف وتتكاثر في قدراته المتعددة وتبقى متحدة". إن القدرات الإلهية التي تهب الحياة في المخلوقات تهب أيضاً الحكمة وتهب قدرات أخرى ونعم إلهية أخرى، وهي علة كل الموجودات، وبالحقيقة فإن جميع القدرات الإلهية مشترَكة وموحِّدة.

إن القدرات الإلهية واحدة للألوهة كلّها، وهي كلها أيضاً قابلة بأن يشترك فيها كل إنسان، مثلما يحدث عندما نضع علامة في وسط الدائرة فهي تشارك جميع المستقيمات التي تنطلق منها والتي تحيط بالدائرة. مثلاً آخر: هي مجموع الضربات للختم والتي يتشارك فيها كل ما قد خُتِم به عليها، أو نستطيع القول بأن الختم لا ينتقل بكامله إلى كل الأوراق المختومة بل يبقى كما هو، وأما الختم الموجود على الورقة فلا يعتمد على الختم الأصلي، لأن الختم الأصلي يُختَم بكاملة على الورقة إلّا أن الاختلاف الظاهر على الورقة يعتمد على نوعية الورق المطبوع عليه الختم، فتختلف صورة الختم في كل مرّة عن أية مرّة أخرى، معتمدة على كيفية وضع الختم. مثلاً، إن كانت الورقة المراد ختمها نقية وصافية وناعمة، حينها يكون الختم واضحاً جداً، ولكن إن كان في الورقة المختومة أي نقائص أو أية مشكلات أخرى فإن الختم يبقى نفسه (أي لا يتأثر) ولكن لا يُطبع بنفس الوضوح على تلك الورقة. إذاً عندما يشترك كثرةً في شيء واحد فإنه يهبهم جميع الخيرات الصادرة من الينبوع الواحد، ويتميز بأنه موحِّد لهم، وهكذا يتضاعف في كل الأفراد المشتركين به بشكل لا رجعة عنه. كذلك أيضاً بما أن الله هو فوق جميع الجواهر كلها، ومن ناحية أخرى يهب الوجود للكائنات ويخلق كل الجواهر، إذاً بإمكاننا القول عنه بأنه يتضاعف مع إنتاج وخلق هذه الموجودات مع بقائه واحداً بخلاف القدرات المتعددة التي لمخلوقاته، ويبقى هو أعلى وفوق جميع هذه المخلوقات.

وحيث أن التأله يأتي منه، وهذا بالطبع يعتمد على قدرة كل واحد من المجاهدين روحياً، فإن كثيرين منهم يصبحون آلهة بالنعمة، وهنا يتضح أن الإله الواحد قد تضاعف إلى كثيرين. ولكن الله لا يصبح أقل قدرة من الآلهة الأخرى التي صارت نتيجة لاشتراكها في قدراته الإلهية. وهذا الإله غير قابل للانقسام في وسط المنقسمين، فهو واحد من حيث جوهره ومتعدد من حيث المشتركين في قدراته. (هذا كلام القديس ذيونيسيوس الاريوباغي).

"إن الجوهر الإلهي جوهر بسيط، وهو الجوهر الطبيعي لله، ويعني الجوهر الوجودي له. أما القدرة الإلهية فهي متقاسمة بين المتجزئين وغير متجزئة".

بحسب الآباء القديسين فإن القدرة الإلهية واحدة، آتية من جوهر الله المثلث الأقانيم، وهذه القدرة تتميز بالقوة الخالقة والمعرفة المسبقة والمدبِّرة مسبقاً وهي مقدِّسة ومؤلِّهة.....الخ، وهذه القدرة ذات مفاعيل متعدّدة تختلف باختلاف الشخص المتلقي لها.

إن هذه القدرة الإلهية غير المخلوقة أزلية، حتى وإن كانت غير مولودة إلّا أنها لا بداية لها، وهي مستمرة دون توقف. وحتى نفهم هذه الحقيقة، علينا أن نفكِّر بالله الكلمة، فبالرغم من أنه أزلي إلّا أننا نقول عنه بأنه مولود، وفي ذات الوقت فهو موجود مع الآب غير المولود.

عندما يقوم الابن بعملية الخَلق فإننا نسمّي قدرته خالقه، وهي لا بداية لها ولكنَّها لها نهاية أي (توقُّف) وفقاً لانتهاء المخلوقات كلٌّ بوقته المحدَّد. وأيضاً إن قدرة المعرفة المسبقة عن الموجودات لا يوجد لها بداية، ولكنها لها نهاية حال تحقق هذه المعرفة المسبقة، وهذه المعرفة تبقى مستمرة في عملها مع الإنسان. إن القدرة الخالقة لله هي غير مخلوقة ونتيجة عملها تكون المخلوقات أي العالم المخلوق.

إن الله غير مخلوق، لا أحد خلقه أو خلق جوهره ولا يوجد له علَّة وجوديَّة، ومن الناحية الأخرى فإن العالم لم يأتِ من جوهر الله وإلّا لصار غير مخلوق مثله، وبالرغم من أن الإنسان هو كائن حي إلّا أنه يتكوّن من مجموعة من مواد ماديّة معيّنة تعود إلى طبيعة البشر. ولكن هذه المصنوعات (المكوّنات) البشرية آتيه من قدرة الله الخلّاقة وليس من جوهره، وهي أيضاً ناتجة من عمل إنساني. إن الأعمال والإنجازات البشرية (كعمل البناء والتصنيع وغيرها..) لا تأتي من جوهر الإنسان، بعكس الولادة فمثلا: الولد الذي يولد من أم، فهو آتٍ من نفس طبيعة الإنسان، وبالتالي يكون منحدراً من جوهر الإنسان. عندما نتذكر هذا التحليل نستطيع أن نقول شيئاً مشابهاً يحدث مع الله.

الإنسان هو نتاج القدرة الخالقة لله، ولكنه يختلف عن طبيعة الله الإلهية، فالإنسان هو كائن حي لديه حياة فسيولوجية، أما الله فليس له حياة فيسيولوجية، والإنسان الذي يدرك بأن حياته فسيولوجية، وأنه يبدأ من خليّة ويصل إلى مجموعة أجهزة متنوعة ومعقَّدة، كيف لدماغه أن يستوعب حياة الله غير الفسيولوجية؟ وكيف يدرك ما معنى أن يكون لشخص ما حياة وهو ليس كائناً فيسيولوجياً؟ وكيف له أن يصف هكذا حياة؟ فماذا بإمكاننا أن نقول حول حياة الله؟ وكيف نستطيع أن نتكلم عن جوهره؟ علينا ألّا ننسى بأن حياة الله هي مرادفة لقدرته فكيف لله أن يكون حيّاً بلا قدرة؟!

وبالنتيجة فإن الإنسان يستطيع أن يشترك في قدرات الله. أي أنه يستطيع أن يتواصل معها، وتبقى هذه القدرات غير مخلوقة، وبين الخالق والمخلوق لا يوجد مقارنه نسبيّة، مما يجعل الإنسان غير قادر على استخدام أيّ من الوسائل التوضيحية العقلية كونها تعجز عن تفسير ليس جوهر الله فحسب بل وأيضاً قدراته، ومع هذا كلّه فإن الجوهر يبقى منزّهاً عن أن يشترك فيه أحد، أما القدرة فيستطيع أن يشترك فيها جميع البشر. هذا لا يعني أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا حياة الله، لأنه يستطيع أن يحياها من خلال قدرة الله المؤلِّهة، وهذه القدرة هي التي توجِّه الإنسان وتقوده إلى ملكوت الله، فتقوده إلى حياة الله غير المخلوقة، وتجعل عنده القدرة على أن يحيا نفس الحياة مع الله، وهذا ما حصل مع القديس بولس عندما صعد إلى السماء الثالثة، واشترَكَ لفترة مؤقتة في حياة الله، ولم يستطع أن يفسِّر أو يصف لنا هذه الحياة، وأما الشيء الوحيد الذي استطاع أن يعبِّر عنه هو أنه سمع كلمات لا ينطبق بها. "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" كور (9:2).

إن القدرة المؤلِّهة ليست مخلوقة، وهي آتية من جوهر الله، وهي لا نهاية لها، وما يصدر منها من نِعم إلهية أيضاً يكون غير مخلوق. إن القدرة المؤلِّهة تجعل الإنسان إلهاً خالداً بالنعمة على غرار غير المخلوق أي كليّ المعرفة، موجوداً في كلِّ مكان دون أن تحدّه حدود سواء كانت مكانية أو زمنية، فيصير غير خاضع لأية بداية أو نهاية في حياته، فيعبر والأبواب والنوافذ مغلقة، مع أن هذه ليست من صفات المخلوقات وإنما هي من صفات غير المخلوق. هذا ما يسميه الآباء بـِ (تألُّه الإنسان) فيرون أن هذه الأمور تحدث من خلال القدرة المؤلِّهة، التي ليس فقط بدايتها غير مخلوقة ولكن نتيجتها أيضاً غير مخلوقة (أي النعمة).

وهذا أجمل ما يصفه القديس ماكسيموس المعترف "الكلمة (الإبن) ينساب إلى (الإنسان المتألِّه) ويصل إلى أدق أقسام نفسه وروحه، وبسبب نعمة الفضيلة والمعرفة يجعله خالياً من كلّ الهموم، فيصبح ذلك الإنسان معتقاً من أية بداية أو نهاية، فلا وجود للحياة الزمنية في حياته. هذه الحياة التي نحياها على الأرض لها بداية ولها نهاية لأنها تتأثر بكثير من الأهواء، ولكن حياة الإنسان المتألِّه يكون فيها فقط الحياة الخالدة للابن الساكن فيها، هذه الحياة التي لا يوجد فيها الموت.

علينا أن نعرف أن كل طبيعة (جوهر) يوجد لها قدرتها، كما أنه لا يوجد طبيعة دون أقنوم لها، وأيضاً لا يوجد طبيعة بدون قدرة. لو كان هناك طبيعة بدون قدرة، لكان هذا يعلن انتفاء الوجود وكأنها طبيعة خيالية، لأننا نعرف أن القدرة تعني الحركة، وبالتالي فإن أية طبيعة بدون قدرة تدل على أنها غير قادرة على الحركة. إذاً، كيف يمكن أن يكون هناك طبيعة إلهية (جوهر الله) بدون حياة (قدرة)؟ كما وكيف يمكن لطبيعة بشرية أن تكون بدون أحاسيس وذهن واستقلالية في الحركة؟ هذا مستحيل.

يشدِّد الآباء على أن القدرة نابعة من الجوهر وأن كل جوهر له قدرته الخاصة، أي أن جوهر الله غير المخلوق يوجد له قدره وفقط غير مخلوقة، أما الجوهر البشري المخلوق فيوجد له فقط قدره مخلوقة. القدرة من الناحية الأخرى تُظهر ماهيّة الجوهر التابعة له. إن القدرة المخلوقة تأتي فقط من الجوهر المخلوق، والقدرة غير المخلوقة تأتي فقط من الجوهر غير المخلوق. وما هو من نفس الجوهر له نفس القدرة.

لذلك لا يمكن أن يكون لدى الله حياة خالقة ومخلوقة في آن واحد. إن كان هو الله أي إن كانت لديه الطبيعة الإلهية فيكون لديه فقط حياة غير مخلوقة. إننا نجد فقط في الأساطير كائنات خيالية تحتوي على طبيعتين مختلفتين. لذا، لا يمكننا أن نعتبر ولا بأي شكل من الأشكال أن قدرة الله تابعة لطبيعة مختلفة عن جوهره، أي أننا لا نقبل بأن نعتبر أن قدرة الله مخلوقة.

وعلينا أن نعرف أنه: شيء هي القدرة وشيء آخر هو فاعل هذه القدرة، وشيء هو عمل القدرة وشيء آخر هو فاعل هذا العمل. القدرة إذاً هي الحركة الجوهريّة الفاعلة للطبيعة الإلهية (لجوهر الله)، وفاعل القدرة هو الجوهر الذي تخرج منه هذه القدرة، وعمل القدرة هو ما ينتج عنها من فعل.

ولكن الشخص (الأقنوم) الذي يعمل، هو نفسه الشخص الذي يجعل لهذه القدرة أهمية واستعمال. هنا وجب التنويه أنه في حالة الإنسان يوجد الكثير من الأشخاص (الأقانيم)، وهم بالرغم من أن لهم طبيعة إنسانية واحدة (جوهر واحد) إلّا أنهم من حيث القدرة منفصلون عن بعضهم البعض، وهؤلاء الأشخاص يعملون أيضاً بشكل مستقل ومنفصل كلٌّ عن الآخر، لأن لكلّ منهم إرادة منفصلة ومستقلة بذاتها بعكس أقانيم الثالوث غير المنفصل الذي يعمل كوحدة واحدة وإرادة واحدة للأقانيم الثلاثة.

مثلاً، الفاعل هو جورج أو يوحنا، والعمل هو نتيجة قدرة جورج أو يوحنا، ولأن جورج منفصل عن يوحنا، فإننا نرى نتائج مختلفة لعمل كلّ منهما، وهنا نتكلم عن القدرة الشخصيّة لجورج والتي هي قدرة منفصلة عن قدرة يوحنا. البعض يعتقد في هذه الأيام بأن الجوهر الإنساني هو الذي يميِّز شخصاً عن الآخر ولكن الواقع ما يميِّز كلٌّ عن غيره هو شخصه (أقنومه) الخاص به والمستقل بذاته والذي ينتج عنه الفكر والإرادة. هذه هي ميزة البشر في تعدُّد الأقانيم، فكل جوهر يعود إلى شخص (أقنوم) متميّز عن الآخر، بخلاف طبيعة جوهر الله الواحد بثلاثة أقانيم فبالرغم من عدم تشابه الأقانيم مع بعضها البعض إلّا أن لها نفس القدرة والإرادة الواحدة دون انفصال.

عندما يتأله الإنسان يصبح لدينا عدّة أشخاص (أقانيم) كلّ منهم منفصل ومستقلّ عن الآخر بقدرات متعدّدة، متألّهون بالنعمة وكلّ منهم يحمل صورة الله، فيظهر وكأن الطبيعة البشرية قد انفصلت وتجزّأت إلى (كثرة) عدّة آلهة، علماً بأن هؤلاء نظرياً لهم الطبيعة المشتركة الواحدة في عدّة أقانيم متميِّزة بحسب الشخص، أما نحن فقد أصبحنا بعد السقوط نستطيع أن نفهم طبيعتنا عقلياً فقط. هذا بحسب ما لاحظه القديس يوحنا الدمشقي.

في حالة الإنسان، فإن الحياة المشتركة والتواصل فيما بين البشر تتم بالقول والفكر، لأننا نفكر بعقلنا. مثلاً، فبالرغم من أن بطرس وبولس لهما نفس الطبيعة الواحدة، إلّا أن كلّ منهما هو كائن حي عقلي وهو قابل للموت، وكل واحد منهما هو جسد به النفس، أي النفس العقلية والذهنية (NOUS). هذه الطبيعة الواحدة هي نظريَّة ولديها المنطق أو الكلمة. وحتى هؤلاء الأشخاص لا يتّحد الواحد منهم في الآخر، فكل طبيعة لها شخصها المستقل بالمكان والزمان، وكل طبيعة بشخصها منفصلة عن الآخرين، وكل واحدة لها عناصر ليست موجودة عند الآخرين، لأن كل شخص في طبيعته له إستقلاليته في الزمن والمعرفة والقوّة والشكل والهيئة والخصال والبنية والقيمة والمهنة وغيرها من هذه الميزات الأخرى. والأهم من ذلك أن كل شخص بطبيعته لا ينصهر مع الآخر، لذلك يقولون عن الإنسان: هناك شخص أو اثنان أو ثلاثة أو كثرة.

ولكن في الله لا تكون الأمور هكذا، لأنه لو حدثت هذه لله لكان عندنا ليس إله واحد وإنما ثلاثة آلهة، أمّا نحن فنعرف من خبرة الآباء المتألِّهين أن الله مثلث الأقانيم لكنه واحد، لأنه في الثالوث تكون الحياة المشتركة وتعتبر الوحدة بحسب الواقع أزليّة مشتركة في وحدة الجوهر والقدرة والإرادة بتوافق وانسجام وتوحُّد السلطة والقوة والصلاح، أي في وحدة حال. لا نقول متشابهين بل متَّحدين ولهم حركة واحدة. واحد إذاً هو الجوهر وواحد هو الصلاح والقوة الواحدة والإرادة الواحدة والقدرة الواحدة والسلطة الواحدة وكل شيء بينهم واحد، وبالرغم من أنه ليس بين الثلاثة الأقانيم ما يسمى بالتشابه إلا أن لهم حركة واحدة.

إذن من الواضح أن الفاعل في حالة الله ليس فقط الآب بشكل منفصل عن الابن والروح القدس، بل إن الفاعل هو الله الآب بواسطة الابن بالروح القدس. هذا يعني أن الآب لا يعمل كأقنوم ولكن كَـ الله، والابن لا يعمل كأقنوم بل كَـ الله، والروح القدس لا يعمل كأقنوم بل كَـ الله. وبما أن الله هو الآب والله هو الابن والله هو الروح القدس فإن القدرة هي واحدة، وواحد هو الله الذي يعمل. "إله الجميع وأبو الجميع يستطيع لو أراد نظرياً شيئاً يعمله كآب وكإله ولكن إن أراد شيئاً كآب ستكون أرادته غير إرادة الابن، لأن الابن ليس آب ولكن إن أرد الآب شيئاً كونه إلهاً، فهذا الله هو أيضاً الابن والروح القدس، أي بمعنى آخر أن الثلاثة أقانيم هم واحد وهذه هي خاصيّة طبيعتهم (جوهرهم) وإرادتهم، بالرغم من عدم تشابه الأقانيم.

 بالنتيجة إذا استطاع أي شخص أن يعرف الابن بالروح إذاً فهو يعرف الآب، وكل من يرى الابن بالروح إذاً يرى الآب. هنا نفهم بوضوح أكثر أنه في حالة التكلُّم عن الله لا يمكننا التكلّم عن قدرات شخصيّة منفردة أو مستقلّة عن باقي الأقانيم.

لو أن إرادة الله شخصية (أقنومية) حينها ستكون قدرة الآب بالضرورة مختلفة عن قدرة الابن ومختلفة عن قدرة الروح القدس. لو كانت لهم قدرات مختلفة فيما بينهم حينها سيكون لدينا ثلاثة آلهة. وأيضاً لو أن قدراتهم شخصيّة (أقنومية)، حينها سوف لن يكون حياة شركة بينهم. ولو أن هذا حدث فعلاً، فهل ستكون حينها هذه القدرات مخلوقة أم غير مخلوقة؟ لذلك من أجل أن يكون عندنا معرفة إلهية صحيحة، علينا ألّا نتكلم عن شراكة الأشخاص أو (الأقانيم)، وإنما عن اتحاد طبيعي بين الأقانيم الثلاثة. نحن لا نعرف الله كآب بدون الابن والروح. ولكن معرفة الله تُكشف في طبيعتنا من خلال قدراته الإلهية (رومية 1: 19) "ِإذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، نَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ".

Top of Form

نعم يوجد وسيوجد تمييز بين طبيعة الإنسان المخلوقة وطبيعة الله غير المخلوقة، ولكن هذا التمييز لا يعيق اشتراكنا بما نستطيع أن نشترك به مع الله أي مع قدراته. وكون الفاعل هو الآب بواسطة الابن بالروح القدس، نستطيع بهذه الطريقة بالروح القدس أن نرى الابن وكل مَنْ يرى الابن يرى الآب أيضاً. وبهذه الطريقة نستطيع أن يكون لنا شركة مع الله فنتمكن من معرفته بقدر ما يعطى ويسمح لنا.  آمين

الأيكونومس الدكتور إبراهيم دبور

       

 

 

 

| Return

Responsive image

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مطرانية الروم الأرثوذكس